المركز الدولي للتدريب والأبحاث المركز الدولي للتدريب والأبحاث
recent

آخر الأخبار

recent
recent
جاري التحميل ...

من الرباط إلى جزيرة العبيد: رحلة الهوية واستكشاف العمق الإفريقي

 

 

 كتاب "من الرباط إلى جزيرة العبيد: ملاحظات مواطن إفريقي" للكاتب أشرف بولمقوس يعُد رحلة استكشافية استثنائية تمزج بين التجربة الشخصية والتأمل الفلسفي والتحليل الاجتماعي العميق، يقدّم الكاتب قراءة متأنية للهوية الإفريقية، متأصلة في التاريخ والجغرافيا والثقافة.

   يحمل عنوان الكتاب دلالات متعددة في طياته تعكس رحلة مزدوجة فجملة "من العاصمة الرباط إلى جزيرة العبيد"، تعبر عن رحلة جغرافية ورمزية في نفس الوقت، رحلة رمزية من المركز "العاصمةّ" الحضارة إلى الهامش "جزيرة العبيد" مكان يحمل في طياته تاريخًا مؤلمًا من العبودية، هذه الرحلة تعكس البحث عن الهوية والانتماء ضمن الفضاء الإفريقي الرحب.

  جملة "ملاحظات مواطن إفريقي" تُبرِز هوية الكاتب وتُشير إلى أن ملاحظاته ليست مجرد وصف للأماكن، بل انعكاس لوعيه بهويته وانتمائه الإفريقي، اعتمد الكاتب أسلوب السرد الإثنوغرافي، حيث جمع بين وصف الأماكن والأحداث وتحليلها من منظور ثقافي واجتماعي، مما يتيح للقارئ فرصة للانخراط في النص وكأنه شريك في الرحلة.

   يطرح الكتاب تساؤلات حول الهوية الإفريقية بشكل معمق، متجاوزًا الحدود الجغرافية والسياسية، وباحثا عن العناصر المشتركة التي تجمع بين الشعوب الإفريقية، كما يُلقي الضوء على التنوع الثقافي الغني للقارة الإفريقية، مستعرضًا آثار العبودية والاستعمار على الهوية الإفريقية، رابطًا الماضي بالحاضر، ومُقدّمًا رؤية جديدة للقارة، تتجاوز الصور النمطية السائدة، وتشجع على الحوار والتبادل الثقافي، والانفتاح على الآخر واكتشاف ثراء التنوع الثقافي في القارة.

 

   يمثل هذا الكتاب رحلة داخلية وخارجية على حد سواء، حيث يسعى الكاتب إلى كسر حواجز الخوف والوصول إلى أعماق الصحراء المغربية، مستكشفًا أسرارها وتنوع ثقافاتها. وقد جمع الكاتب بين وصف المشاهد الطبيعية والبشرية وبين تأملات شخصية وانطباعات ذاتية، مما أضفى على العمل عمقًا إنسانيًا فريدًا.

يروي الكتاب رحلة جغرافية من أكادير إلى الصحراء، مرورًا بمدن مثل تيزنيت، مير اللفت، إيفني، وكليميم، طنطان، أخفنير، الداخلة... هذه الرحلة لا تقتصر على وصف المناظر الطبيعية فحسب، بل تُعتبر اكتشافًا للتنوع الثقافي الكبير الذي يميز هذه المنطقة، حيث يتنقل الكاتب بين أمازيغ سوس وبيضان الصحراء، وبين مغاربة من أصول مختلفة.

كما يعكس الكاتب صراعًا داخليًا بين الرغبة في الاستكشاف والخوف من المجهول، وهو صراع يتجلى في التردد الأول للكتاب وصديقه إلياس، وفي المخاوف التي تثيرها القصص والشائعات عن المنطقة، ويبرز أيضًا صراعًا خارجيًا بين الحضارة البدوية ونمط الحياة الحديث، وبين التقاليد المتجذرة والتغيرات التي طرأت على المنطقة.

 الصحراء في الكتاب تحمل دلالات رمزية عميقة، فهي تمثل المجهول، والحدود، والتحرر من القيود، كما أنها تعكس البحث عن الذات والهوية.

 يواصل الكاتب رحلته إلى أعماق الصحراء المغربية، متجاوزًا دهشة البداية ليتحول من مستكشف متردد إلى عاشق للصحراء، وهو تحول يعكس تأثير البيئة الصحراوية القاسية والجميلة في آن واحد، يبرز هذا التحول التناقضات الكامنة في الصحراء بين القسوة والجمال، التطور والتقاليد، والهدوء و(الصخب العسكري)، كما يقدم الكاتب صورة حية للحياة الاجتماعية في الصحراء، من خلال وصف تفاعلاته مع السكان المحليين وعاداتهم وتقاليدهم، مما يفتح للقارئ آفاق على عالم جديد وغير مألوف، ويدفعه للتفكر في قضايا عميقة تتعلق بالهوية، والطبيعة، والثقافة.

  ومع استمرار رحلته عبر الصحراء، يتخطى الكاتب التحديات التقنية (أعطاب ميكانيكية في السيارة) والجغرافية، وصولًا إلى فهم أعمق للدلالة الرمزية للحدود السياسية، حيث يسرد مغامراته وتجاربه في مواجهة ظروف الصحراء القاسية مما يدل على الوعي الجغرافي والثقافي والتاريخي والسياسي الكبير للكاتب من خلال المعلومات التي يقدمها عن المدن والقرى التي يزورها، والبعد الإنساني المتمثل في التضامن والتعاون بين الناس لمواجهة الصعاب، وتسلطيه الضوء على الظروف المعيشية الصعبة لسكان الصحراء، وتطرقه إلى القضايا السياسية المتعلقة بها، مثل دور الجيش المغربي في حماية الحدود، والصراع مع جبهة البوليساريو.

يستمر الكاتب في تسليط الضوء على التناقضات الجغرافية والسياسية عبر الحدود إلى المنطقة العازلة بين المغرب وموريتانيا، حيث تلتقي الطبيعة القاسية للصحراء مع التعقيدات السياسية للحدود. تمثل هذه المنطقة العازلة رمزية عميقة، فهي "منطقة اللا مكان"، حيث تغيب الدولة والقانون، وتتحكم فيها قوى الطبيعة والتاريخ، يقدم الكاتب وصفًا دقيقًا للإجراءات البيروقراطية والمعاملة التي يتعرض لها المسافرون على الحدود، والتي تخضع لمزاج الجنود وتقديرهم الشخصي، مشيرًا إلى الفساد من خلال طلب الجنود رشاوي من المسافرين، وتوتر الوضع السياسي والأمني في المنطقة من خلال تفاعلات المغاربة والموريتانيين، وتأثير الصراع التاريخي على العلاقات بين البلدين.

  في رحلته إلى مدينة نواذيبو الموريتانية، يُبرز التناقضات بين الثروات الطبيعية الهائلة، مثل الحديد، والفقر المدقع الذي يعاني منه السكان، الذين يفتقرون إلى الخدمات الأساسية مثل المياه والكهرباء. ومع ذلك، يتجاوز الكاتب هذه التحديات إلى الأمل في التغيير، مستلهمًا من شخصية صديقه المناضل عبد الباقي العربي الذي يسعى لتحسين أوضاع المدينة من خلال ترشحه للانتخابات.

تستمر الرحلة، حيث يروي الكاتب مغامرته من نواكشوط إلى الحدود السنغالية، مقدماً وصفاً للظروف المعيشية الصعبة في المناطق النائية بموريتانيا، ومشيرًا إلى أهمية الحدود في الاقتصاد الإقليمي، كما يبرز الكاتب التناقضات الجغرافية في المنطقة، حيث تنتقل الطبيعة من صحراء قاحلة إلى أراضٍ زراعية بالقرب من الحدود، ويوضح كيف أثرت هذه التغيرات على الحياة اليومية للسكان المحليين، كما يربط الكاتب بين الأحداث الحالية وتاريخ المنطقة الطويل والمعقد، موضحًا كيف شكّلت الصراعات القبلية والسياسية العلاقات بين البلدين، وأثرت على حياة السكان المحليين، وأدت إلى تدهور العلاقات بينهما وأثرت على النشاط التجاري والاقتصادي.

    عند وصوله إلى السنغال، يتعمق الكاتب في تاريخ وثقافة شعب الولوف، واصفًا هويتهم الثقافية بما في ذلك لغتهم وتنظيمهم الاجتماعي وعاداتهم وتقاليدهم. يسرد الكاتب تأثير الاستعمار الفرنسي على المدينة، وكيف انعكس ذلك على التراث المعماري والثقافي، ويبرز التشابهات الثقافية بين الشعوب المغاربية وشعب الولوف، خاصة في الثقافة الغذائية من خلال ربطه بين طبق "تشيبو جين" والكسكس المغاربي.

   وفي مدينة سان لويس، يتعمق الكاتب في تاريخها الاستعماري وتأثيره على هويتها المعمارية والفنية، مسلطًا الضوء على التقاء الثقافات المختلفة داخل المدينة. وفي دكار، يتناول الكاتب دورها كعاصمة ثقافية واقتصادية لغرب إفريقيا، مستعرضًا تمثال النهضة الإفريقي والجدل المحيط به، مشيرًا إلى أن هذا التمثال يعكس التنوع الثقافي والسياسي في السنغال، كما يتطرق إلى التغيرات الحضرية التي تشهدها دكار، وتأثيراتها على الهوية الثقافية للمدينة، موضحًا التأثيرات المتبادلة بين الجالية المغربية الكبيرة في السنغال والثقافة المحلية.

  وأخيرًا، يغوص الكاتب في تاريخ جزيرة كوري الدامي، محولاً إياها من مجرد وجهة سياحية إلى رمز قوي لمقاومة العبودية والتسامح الديني. يقدم سردًا مؤثرًا لتاريخ الجزيرة، مركزًا على أهميتها كشهادة حية على معاناة العبيد وكفاحهم من أجل الحرية، وفي ختام رحلته، يعبر الكاتب عن صعوبة مغادرة السنغال، مشيدًا بالقيم الإنسانية والحضارية التي وجدها هناك، ومقارنًا بينها وبين تجربته في بلد كالسويد. يشدد الكاتب على أهمية الهوية الثقافية والتنمية البشرية التي لا تقتصر على التقدم المادي، معبرًا عن حلمه بوحدة إفريقيا، ومشيدًا بالسنغال كنموذج يُحتذى به في هذا الصدد.

أ‌.        خالد لبحر ـ مسؤول برامج معهد الفضاء المدني

عن الكاتب

المركز الدولي للتدريب والأبحاث

التعليقات


جميع الحقوق محفوظة

المركز الدولي للتدريب والأبحاث